الشيخ البهائي العاملي
46
الحديقة الهلالية
أخيه ) ( 1 ) . فلما علم أني علمت بذلك ، ووقفت على سلوكه في تلك المسائل ، كتب إلي رقعة طويلة الذيل ، مشحونة بالندم والويل ، يطلب فيها الرضا ، ويلتمس الإغماض عما مضى . فكتبت إليه في الجواب : جزاك الله خيرا فيما أهديت إلي من الثواب ، وثقلت به ميزان حسناتي يوم الحساب ، فقد روينا عن سيد البشر ، والشفيع المشفع في المحشر أنه قال : ( يجاء بالعبد يوم القيامة ، فتوضع حسناته في كفة ، وسيئاته في كفة ، فترجح السيئات فتجئ بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها . فيقول : يا رب ما هذه البطاقة ؟ ! ! فيقول عز وجل : هذا ما قيل فيك وأنت منه برئ ) . فهذا الحديث قد أوجب بمنطوقه علي أن أشكر ما أسديته من النعم إلي ، فكثر الله خيرك وأجزل مبرك . مع أني لو فرض أنك شافهتني بالسفاهة والبهتان ، وواجهتني بالوقاحة والعدوان ، ولم تزل مصرا على شناعتك ليلا ونهارا ، مقيما على سوء صناعتك سرا وجهارا ، ما كنت أقابلك إلا بالصفح والصفا ، ولا أعاملك إلا بالمودة والوفاء ، فإن ذلك من أحسن العادات ، وأتم السعادات ، وإن بقيت مدة الحياة أعز من أن تصرف في غير تدارك ما فات ، وتتمة هذا العمر القصير لا تسمع مؤاخذة أحد على التقصير ( 2 ) . نعم هذه أخلاق لو مزجت بها البحر لعذب ماؤه طعما . وكان ذلك من بواعث تنغيص عيشه ، وتكدير صفو حياته أحيانا ، وطالما نفس عن كربه بالعزلة أو بالسياحة والرحلة .
--> ( 1 ) الحجرات ، مدنية ، 49 : 12 . ( 2 ) الكشكول 1 : 210 / سلافة العصر : 292